الحارث المحاسبي

9

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

الإسلامي والحديث وعلم الكلام ، والرد على المعتزلة وغيرهم من الفرق في عصره من حيث كانت المدرسة الثانية للسنة بزعامة الإمام أحمد بن حنبل لا تعني بتدوين الدراسات النفسية ، بل عنيت بالفقه والحديث والسلوك العملي دون زيادة على ذلك . وإلى جانب الحركة الفقهية والحركة السلوكية ، كان هناك جمع من العلماء يبحثون الأحكام الشرعية التي تحفظ المسلم من أكل الحرام بعد أن قارف المحرمات الأخرى ، وقد جمع المحاسبي من هذه الآراء مجموعة تلقى ضوءا قويا على اضطراب العصر ، وحاجته إلى تدوين قواعد السلوك الصحيح ، ويقول المحاسبي في هذا الصدد : « وقد تكلم طوائف من الفرق بمذاهب في المجانبة ، وصفاء المطعم والملبس ، يختلفون ويتقاربون ، فمنهم من اختار العزلة عن الأئمة والسلطان وأعوانهم بأعيانهم ، وفرقة جانبت كل من اتصل بهم ، وهذه الطائفة ركبت الغلو في الدين ، وقال الحسن البصري ، إن المكاسب قد فسدت ، خذوا منها القوت ، وقال أبو وائل : إن أهل بيت بالكوفة على مائدتهم رغيف حلال لأهل بيت غرباء ، وطائفة اختارت المباح من الجبال والأودية والرمال من ورق الأثل ، ولقط البذر ، والحشائش التي لها ثمن إذا ادخرت ، فجمعوا منها لصيفهم في شتائهم ، وطائفة اختارت ما ألقته الرياح ، وما ظهر من الحشيش والكلأ على وجه الأرض من كلأ الصحراء إذا اشتد بهم الجوع ، وطائفة اختارت المسألة لأخذ القوت منها كما سأل موسى عند الحاجة ، وطائفة بالثغر والشام اختارت أن تجمع اللقاط من وراء الحصادين ، وطائفة اختارت كد اليد أو ضرب السيف ( وعلى رأسهم إبراهيم بن أدهم ) ، وطائفة اختارت الرباط ، وهم مجمعون على القتال مع كل أمير بر أو فاجر » . . ( المكاسب 211 ) . وكان المحاسبي واسع الأفق . شامل النظرة ، لأنه كا يربط بين منهجه في الإصلاح النفسي والشرعي القائم على الكتاب والسنة وبين استعادة دولة الإسلام مجدها الحق ، فقال في صدد كلامه عن سلوك الصحابة : « قد جمعت لهم الطاعة مراداتهم فيها ، على قدر الإقبال عليها ، وأوضحت لهم سبل الرشاد فيها ، فلم يريدوا بما أدركت أيدي الظفر منهم بدلا . . وأصبحوا في ذلك توفيقا من سيدهم ، ومعونة قائمة بالكفاية لهم ، وخفي لطيف غير منقطع عنهم ، فدام لهم الحال ، وزكت الأعمال ، ولم يجدوا عند ذلك هوى غالبا ، ولا عدوا مطالبا ، أمات العلم باللّه أهواءهم ، وغلب لهم أعداءهم ، وجمع شملهم ، وأحكم أمرهم ، وكان التوفيق لهم مصاحبا ، وخفي اللطف من اللّه دائما ، والتأييد من سيدهم مرشدا » . كان الخطر الوافد على صميم الإسلام في أعمال القلوب وأعمال الجوارح أقوى من جهود المدارس السلوكية التي ظهرت في مختلف الأقطار ، ولهذا دون المحاسبي آراءه في